بحث
   الأعداد السابقة
 
الصيف في باريس ثقافـة و فنـون و ترفيـه...

سرعان ما تنتهي فترة العطلات. إلا أن ما تتركه في أعماقنا من ذكريات يبقى طويلاً. ولعل ما يميز فرنسا عن غيرها من البلدان الغربية خلال فصل الصيف أنها لا تركز فقط على المدن الساحلية والأنشطة التي تمتلئ بها شواطئ هذه المدن. بل إن الاهتمام الأكبر ينصب على باريس كعاصمة للسياحة والثقافة على حد سواء.
وجولة واحدة على أهم ما يحمله الصيف للباريسيين والسائحين لكافية لأن تدلل على ذلك. فالصيف في باريس لا يعني المتعة والراحة فقط، بل يعني يقظة الأذهان في اتجاه مختلف. من هذا المنطلق استضافت عاصمة النور على مدى شهري الصيف لهذا العام (يوليو/ أغسطس) العديد من الفعاليات الثقافية والفنية والاجتماعية والترفيهية كان من أبرزها:
مهرجان التروبيكال:
لا تقتصر الثقافة كما يتصور البعض على قراءة الكتب أو المشاركة في الندوات وحضور معارض الفن التشكيلي. كما أن الوسائل والآليات الثقافية ليست محدودة بآفاق، بل إنها تمتلك من الحضور ما يمكنها من الانتشار في الكون كله. هذه هي الفكرة التي يرتكز عليها مهرجان "التروبيكال" الثقافي والذي تحتضنه باريس منذ ثمانية أعوام كلما هلّ شهر يوليو. وهذا المهرجان الضخم والذي يطوف شوارع وميادين العاصمة الرئيسية، بكل ما يحمله من ألوان صاخبة ورقصات وأغانٍ فولكلورية وملابس زاهية الألوان وأقنعة خشبية وجلدية وموسيقى خاصة جداً بالبلدان المشاركة فيه، وهي بلدان ما وراء البحار(الجوادلوب/ المارتينيك، وغيرهما) والتي كانت في غالبيتها خاضعة لفترات طويلة للاستعمار الفرنسي، ولا يزال معظمها تابعاً لفرنسا حتى الآن بشكل أو بآخر.
وقد ضم مهرجان هذا العام أكثر من ألفي مشارك تم اختيارهم عبر المؤسسات الثقافية والفنية في فرنسا وهذه البلدان، جاءوا ليس بهدف الترفيه أو اللهو وإنما من أجل نشر تقاليدهم وثقافاتهم وأيضاً بهدف تنشيط الذاكرة الإنسانية تجاه ما عانت منه هذه البلاد في فترة الاستعمار. وعبر الملابس التراثية والموسيقى والأغنيات وتذوق المنتجات الاستوائية والملابس وبعض العادات الفلكلورية قد تمكن هؤلاء المشاركين على مدى أعوام متواصلة من تسليط الضوء على الثراء الثقافي الذي تتمتع به هذه المناطق.
ومع تزايد أعداد الفرنسيين والسائحين والمقيمين المهتمين بالاقتراب من ثقافة هذه البلدان، يمكن الآن القول بأن هذه البلاد قد تمكنت من تحقيق أهدافها الثقافية من خلال هذا المهرجان السنوي، والذي يقوم على تنظيمه بلدية باريس بمشاركة فيدرالية المهرجان في باريس والتي تعنى منذ نشأتها فقط بالتعريف بالثقافة الخاصة ببلدان ما وراء البحار من جهة، وبالتأكيد، من جهة أخرى، للأجيال الجديدة في هذه البلاد على أنهم ليسوا بمعزل عن العالم، بل إن ثقافتهم وتراثهم حاضر وإن هناك العديد من الوسائل القادرة على نشر وتدعيم هويتهم وحضارتهم.
وتألق المهرجان الأخير باستضافة كولومبيا، ومشاركتها فيه للمرة الأولى، كدليل على نجاح المهرجان ثقافياً وجماهيرياً وعلى قدرته على جذب حضارات أخرى للمشاركة. وقد كان لحضور كولومبيا قدرة عجيبة على جذب وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية من أجل تغطية هذا اليوم المتفرد في صيف باريس من كل عام، مما حقق لكولومبيا نجاحاً آخر على المستوى السياحي والترويج لزيارتها.
تركيا ضيف شرف مهرجان السينما في باريس، وقد استقبلت دور العرض السينمائية في باريس خلال شهر يوليو المهرجان السابع للسينما والذي تحتضنه مدينة باريس في التوقيت نفسه تقريباً من كل عام.
إنها بمثابة رحلة عبر العالم خلال أسبوعين يستمتع بها المهتمون بالسينما من دون أن يغادروا مدينتهم. فقط عليهم أن يتجولوا خلال ما يقرب من عشرين دار عرض باريسية تفتح أبوابها كل يوم أمام رواد المهرجان، الراغبين في الاقتراب من إنتاج المواهب الشابة، وروائع الأفلام، وأجمل الأفلام في تاريخ السينما، جميعهم يضمهم مهرجان هذا العام. إنه موعد خيالي في صيف باريس، ترعاه مدينة باريس والفنانة شارلوت رانلينج من أجل انتقاء أفضل الأفلام وبأسعار موحدة للتذاكر ومخفضة إلى درجة تتيح للجميع الاستمتاع بأيام المهرجان. هذا وقد افتتحت رانلينج أيام المهرجان.
ويعتبر القائمون على المهرجان أن المنافسة الدولية هي المختبر الحقيقي للسينما، سواء فيما يخص الأفلام الروائية الطويلة أو الأفلام القصيرة يرافق العرض الرئيسي أو الأول بعض العاملين في مجال صناعة السينما، لاستطلاع رأي الجمهور الذي يعد هو لجنة التحكيم الكبرى. كما يعد المهرجان فرصة كبيرة لاكتشاف رأي الجمهور تجاه بعض الأعمال التي ستعرض فيما بعد، وهو ما يميز هذه الأيام السينمائية حيث يحرص الجمهور على حضور الأفلام التي ستعرض مستقبلاً.
ويحرص المهرجان كل عام على استضافة مشاهير النجوم كضيوف شرف، وقد استضاف مهرجان العام العديد من الفنانين العالميين مثل كلوديا كاردينالي، تساي مينج ليانج، وغيرهما.
ولا يقتصر المهرجان على كونه عرضاً لأهم الأفلام السينمائية بل يعد ملتقى كبيراً للثقافات حيث إنه بعد البرازيل وكوريا ولبنان والفليبين استضافت باريس هذا العام تركيا كضيف شرف وتم عرض العديد من الأفلام التركية في حضور مخرجين أتراك مشاهير مثل نوري بيلج جيلان، وريها ارديم. وقد أبدى برتران دولانوي، عمدة باريس، ارتياحه لهذا الاختيار مؤكداً على أن تركيا هي بؤرة الضوء في هذا العالم. ومما يذكر هنا أنه للصغار أيضاً مكان في مهرجان العام، حيث تقدم أفلام للرسوم المتحركة من جميع أنحاء العالم، وإن لم يكن عددها بالكبير إلا أنها كافية لإضفاء مناخ من المرح والترفيه على الأطفال.
مهرجان ثقافات العالم في عامه الـ «36»
بدأ في فرنسا كمهرجان صغير في العام 1974، ولم يكن يزيد حينها عن ثلاثة أيام، وقد ضم في عامه الأول بلداناً قليلة العدد هي: بولونيا والبرتغال والسويد وتركيا ورومانيا وفرنسا. ثم ترسخ في الأذهان كموعد ثقافي عالمي لمهرجان يفتح أبوابه على قارات العالم الخمس. وقد ازداد مهرجان «ثقافات العالم» تألقاً واكتسب الكثير من الأهمية منذ أعلنت منظمة اليونسكو في باريس عن دعمها الكامل واعترافها بأهمية التراث الإنساني، والذي يعد الركيزة الحقيقية لهذا المهرجان.
هذا الصيف وفي نهايات شهر يوليو تحولت مدينة «جانت» الفرنسية إلى ملتقى لما يقرب من أربعمائة فنان من جميع أنحاء العالم للمشاركة في العديد من الحفلات الموسيقية والأمسيات الشعرية وتقديم الرقصات الفلكلورية من أجل نقل السمات الأساسية لثقافة كل بلد مشاركة. وتميز مهرجان العام بدعوة حوالي أحد عشر بلداً إضافة إلى البلدان التي اعتادت على المشاركة في فضائه. جميعهم قدموا قصائد شهيرة من بلادهم ورقصات تراثية ومأكولات تقليدية. كما حرصوا على اختراق المجموعات كافة لشوارع وطرقات المدينة بأزيائهم التقليدية مما يعده البعض واحداً من أكبر الكرنفالات الثقافية العالمية الساعية إلى تدعيم فكرة التنوع وتمازج الحضارات وليس تنافرها وأن الإبداع الثقافي قد يكون هو الرافد الوحيد في الحياة اليومية للشعوب القادر على التواصل والبقاء.
ويجدر هنا ذكر أنها المرة الثانية التي كانت فيها منظمة اليونسكو راعياً رئيسياً للمهرجان. وذلك من منطلق أن مهرجان الثقافات العالمية هو فرصة هامة للتأمل في مفهوم التراث الثقافي غير المادي، والذي تعد منظمة اليونسكو هي المؤسسة لهذا المفهوم، على اعتبار أن الممارسات والتعبيرات والأشعار التراثية الخالدة والأدوات والمصنوعات كلها عوامل ترتبط إلى حد كبير بالواقع الثقافي والحضاري للمجتمعات المحلية وللجماعات ومعترف بها في الوجدان والذاكرة كجزء لا يتجزأ من التراث الثقافي لكل منطقة.
الباري بلاج
تحويل ضفاف نهر السين إلى شواطئ للتسلية والأنشطة الرياضية والثقافية واللقاءات الاجتماعية، بات عادة باريسية ترتبط بفصل الصيف منذ العام 2002. فهاهو "بلاج باريس"، كما يطلق عليه، وفي موعده، عاد هذا الصيف خلال شهر يوليو ليستمر حتى نهايات شهر أغسطس.
هكذا يبدو الصيف مختلفاً في باريس، فعلى مدى العام تخلو ضفاف نهر السين من أي أماكن للتجمع، باستثناء بعض النزهات على الأقدام التي يقوم بها الفرنسيون والسائحون القادمون إلى العاصمة الفرنسية خلال فصل الشتاء، وترتبط هذه النزهات دائماً بحالة الطقس. أما خلال الصيف فقد كان يمتلئ بالسائرين والجالسين على ضفتيه، وربما هذا هو ما دفع بلدية باريس إلى تحويله إلى شاطئ يضاهي الشواطئ البحرية من أجل متعة الفرنسيين والسياح الذين لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدن الساحلية للاستمتاع بطبيعة البحار وشواطئها بكل ما تتمتع به من وسائل جذب. لذا يفترش ما يقرب من 1800 طن من الرمال الناعمة مسافات طويلة من الضفة اليمنى للنهر (مساحة حوالي 3. 5 كم) وتوضع الكراسي الخاصة بالشواطئ وكذلك المظلات، وتبدأ المقاهي في تخصيص مساحات لها، ويتم توفير المياه العذبة عبر أنابيب يتم تجهيزها حتى تكفي المترددين على "شاطئ باريس". إضافة إلى تطوير أشجار النخيل وتركيب المعدات الرياضية وبعض المسارح الصغيرة لتقديم عروض ترفيهية سريعة. وقد تمكنت الاستعدادات الخاصة بتحويل ضفة النهر إلى شاطئ ساحلي من تسجيل ثلاثة ملايين زائر للمكان في العام التالي لتنفيذ الفكرة، أما الآن فالعدد قد تضاعف بشكل لافت للأنظار.
هذا جزء من كل. فالأنشطة كافة التي تضمها باريس خلال الصيف يصعب على المرء رصدها عبر عدد محدد من الصفحات.



تعليقات

الاسم
عنوان التعليق
التعليق